سيد قطب
123
في ظلال القرآن
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ابتداء من هذا الجزء في سورة البقرة نجد التركيز على إعداد الجماعة المسلمة لحمل الأمانة الكبرى - أمانة العقيدة ، وأمانة الخلافة في الأرض باسم هذه العقيدة - وإن نكن ما نزال نلتقي بين الحين والحين بالجدل مع أعداء هذه الجماعة المناهضين لها - وفي مقدمتهم بنو إسرائيل - ومواجهة دسائسهم وكيدهم وحربهم للعقيدة في أصولها ، وللجماعة المسلمة في وجودها . كما نلتقي بالتوجيهات الإلهية للجماعة المسلمة لمواجهة الحرب المتعددة الأساليب التي يشنها عليها خصومها ؛ وللحذر كذلك من مزالق الطريق التي وقع فيها بنو إسرائيل قبلها . فأما المادة الأساسية لهذا الجزء ، ولبقية السورة ، فهي إعطاء الجماعة المسلمة خصائص الأمة المستخلفة ، وشخصيتها المستقلة . المستقلة بقبلتها ؛ وبشرائعها المصدقة لشرائع الديانات السماوية قبلها والمهيمنة عليها ؛ وبمنهجها الجامع الشامل المتميز كذلك . . وقبل كل شيء بتصورها الخاص للوجود والحياة ، ولحقيقة ارتباطها بربها ، ولوظيفتها في الأرض ؛ وما تقتضيه هذه الوظيفة من تكاليف في النفس والمال ، وفي الشعور والسلوك ، ومن بذل وتضحية ، وتهيؤ للطاعة المطلقة للقيادة الإلهية ، الممثلة في تعليمات القرآن الكريم ، وتوجيهات النبي - صلى اللّه عليه وسلم - وتلقي ذلك كله بالاستسلام والرضى ، وبالثقة واليقين . ومن ثم نجد حديثا عن تحويل القبلة ، يتبين منه أنه يراد بهذه الأمة أن تكون أمة وسطا ، أهلها شهداء على الناس والرسول عليهم شهيد ؛ فلها على الناس في الأرض قيادة وهيمنة ، وإشراف وتوجيه . ونجد دعوة لهذه الأمة إلى الصبر على تكاليف هذه الوظيفة الملقاة على عاتقها ، وهذا الواجب الذي ستضطلع به للبشرية جميعا ؛ واحتمال ما سيكلفها في الأنفس والأموال ، والرضى بقدر اللّه ورد الأمور كلها إليه على كل حال . ثم نجد بيانا وجلاء لبعض قواعد التصور الإيماني ، حيث يقرر أن البر هو التقوى والعمل الصالح لا تقليب الوجوه قبل المشرق والمغرب . . وذلك ردا على ما يقوم به اليهود من بلبلة ، ومن كتمان وتلبيس للحقائق ، وجدال ومراء فيما يعلمون أنه الحق . . ومعظم الحديث في هذا القطاع يتعلق بتحويل القبلة ، وما ثار حوله من ملابسات وأقاويل . ثم يأخذ السياق في تقرير النظم العملية والشعائر التعبدية - وهما العنصران اللذان تقوم عليهما حياة هذه الأمة - وتنظيم مجتمعها ليواجه المهام الملقاة على عاتقها ، فنجد شريعة القصاص وأحكام الوصية ، وفريضة الصيام ، وأحكام القتال في الأشهر الحرام وفي المسجد الحرام ، وفريضة الحج ، وأحكام الخمر والميسر ، ودستور الأسرة . . مشدودة كلها برباط العقيدة والصلة باللّه . كذلك نجد في نهاية هذا الجزء بمناسبة الحديث عن الجهاد بالنفس والمال ، قصة من حياة بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم : ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل